نغضب ولا نحزن

نُشر في February 27, 2016

Share Button

أعرف الكاتب أحمد ناجي منذ ما يقارب العشرة أعوام. كان ناجي بوابتي الأولى لمعرفة القاهرة وأهلها. نزهتي الأولى في وسط البلد كان معه. لقد مرَّت دورة كاملة منذ تلك الزيارة. عقدٌ كامل بدأ بحركة كفاية، مرورًا بالثورة المصرية وصولًا لمصر المجلس العسكري، ومن ثمَّ مصر الإخوان، وانتهاءً بمصر السيسي.

قبل نزولي القاهرة، تحادثنا وتعاركنا وتحادثنا على مدوَّنته ومدوَّنتي وفي الإيميلات. هناك من العراكات بيننا ما يصعب حصرها بيننا كمجموعة كانت تكتب في فضاء الإنترنت العام آنذاك: الإسلام، الحركات المسلَّحة، القضيَّة الفلسطينيَّة، الغرب، إلى آخر المواضيع القليلة التي تحدَّد الحديث فيها قبل العام ٢٠١١. أنا آتي من إرث عروبي وقومي أحاول الخروج منه بتأنٍ وبلا ردَّات فعل متطرّفة، وهو ينطلق من مصر مبارك التي لا أعرف عنها كثيرًا، فأحصرها في عالم متخيَّل عن دور مصر المركزي السابق للنكسة. لقد كان عصرًا خاليًا من الشبكات الاجتماعية، يقتصر على المنتديات والمدوَّنات والايميلات والتشات، وكنا أنفارًا يمكن عدُّهم بسهولة.

في زيارتي الأولى القاهرة عام ٢٠٠٨، قبضوا على حسين، فانتهيتُ مع أصدقائي في مركز هشام مبارك أتابع قضيَّته. وفي الثورة، أصابوا عين مالك. ثمَّ بعدها، قبضوا على علاء، ثمَّ ماهينور، ثمَّ سناء. وخلال ذلك كله أصابوا جسم سلمى بالخرطوش. حتى جاء يومٌ ذات صيف، زرتُ فيه القاهرة فوجدتُ الناس يرقصون في الشارع لمروحيَّات عسكرية ترسم لهم قلوبًا دخانيَّة في السماء. كان كرنفالًا يوحي أنَّ هذه الفاشيَّة المجتمعيَّة ستقيم لفترة، وأنَّ هذه البلد التي تُجبرك -من حبِّها- على تحمِّل غبارها وتعبها ووسخها الذي يعلق تحت الأظافر نهاية كل يوم، تدخل بالفعل نفقًا مظلمًا من العبث والجنون.

ربَّما يحتاج الواحد منَّا أحيانًا لشخصنة القضايا العامة ليعود من لا مبالاةٍ ما تسيطر عليه وهو داخل النفق. لكني أفكِّر أيضًا خلال متابعة أخبار محاكمة وسجن ناجي، أنه ينبغي الحذر من السقوط في فخ «الحزن» الذي تنصبه مؤسسات الدولة مع كل انتهاك وعنف نظامي ترتكبه بلا مساءلة.

تتراوح كتابات أحمد ناجي بين الأدبيْن الغاضب والساخر. لكنَّه في هذا وذلك يبقى مسيَّسًا، وتسييس كتباته موجَّه، لا فوضوي على عهد الاتهام السلطوي الغبي غير ذي المعنى. في المساحة الممتدَّة بين غضب عدمي والتزام صارخ، انوجدَت مقالات ناجي وتدويناته ونصوصه وروايتَيْه. مازجًا بين العدميَّة الغاضبة والالتزام، لم يوفِّر ناجي أصدقاءه والشخصيات التي صارت عامة أثناء الحراك المصري من نقده، فكانت آراؤه عن البرادعي و«شباب الثورة» سابقة لما ظهر لاحقًا من فشل عام وانتهازيّة فاضحة. أمّا تعليقاته عن الطبقة الوسطى ومحافظتها المجتمعية والسياسية فكانت غير شعبيَّة، وذائقته الموسيقيَّة لم تكن يومًا تُلاقي الذائقة الأخلاقية التي تحكم على الحاضر بوصفه وريثًا غير موهل لماضٍ جبَّار. وناجي لم يكن يتحرَّج من تضمين نصوصه بعض التأثيرات البصريَّة ضاربًا عرض الحائط بفكرة حماية مصادر النصِّ المنتشرة بين كتَّاب الإلهام، ومع هذا كله، خاصمَت لغته عبارات ثابتة اصطُلِح على استخدامها لوصف الحب والجنس والنزق والغضب.

يمكن الجدال إلى ما لا نهاية في مضمون ومستوى ما يكتبه ناجي، وقد يُشارك ناجي نفسه في مثل هذا النقاش، لكن الموضوع غير ذي صلة بالقضيَّة وحكم السجن لعامين، فناجي لم يأبه يومًا أن ينتمي لنخبة مثقفة تعيش على صلتها «الرحميَّة» بمؤسسة الدولة، وتُعلن عن ضرورة حماية قيم الحداثة المفتعلة والمنقوصة مُغفلةً بالطبع دور الدولة في علاقتها بجماعاتها داخلها وخارجها. لم يهتمَّ أن يكون واحدًا من الذين يبنون صورتهم العامة التي تقترب من الكمال، ويعيشون عليها، ولا يمكن تصوُّره في زمن مقبل عضوًا في مجلس حكماء ما يجتمع مع سلطة مقبلة. إنَّ نظرة سريعة على مواقفه اللحظوية على حساباته في الشبكات الاجتماعية تؤكد هذه الفكرة. فناجي ابن لغة عاقة كنا نتعارك دومًا حول منصوباتها ومرفوعاتها، وابن موسيقى يمقتها الأخلاقويُّون، وابن الانترنت المفتوح السابق، والرافض لانترنت اليوم الذي يُدفَع يومًا بعد يوم نحو التتجير والتأهيل المجتمعي، في حضور اللجان الإلكترونية ومجتمعات الفضيلة المعنِّفة. لكنّه حتى في كونه كل ذلك، لم ينتمِ لمجموعة من المثقفين تحدَّد دورهم بلعبة تكسير التابوهات السطحية والمباشرة مع تحييد علاقة الدولة بجماعاتها داخلها وخارجها. ناجي بهذا المعنى هو هارب إلى عالم آخر، وليس من قبيل الصدفة أن يكون مهتمًا بملاحقة كتَّاب من مثل جورج حنين أو ألبير قصيري.

نحن، بضعة أصدقاء ومجموعة من قارئي ناجي، غاضبون. لكنَّ حزننا عزيز، ولن نستدخله في خطاب الدولة وسلطاتها، أو نعتمد خطاب مثقفين لا ينتجون إلا ثقافة مهزومة  قائمة على رفع الإصبع والتحذير من الخراب، ويساوون بين الدولة والمعترضين عليها بـ«عقلانيّة» معهودة ممَّن اعتاد البقاء على الهامش لينتهي مثقَّف سلطة.

نحن نعرف أننا وحدنا تمامًا، ولذلك نغضب ولا نحزن.

***

نُشِرَت في أخبار الأدب في ٢٧ شباط ٢٠١٦.